محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
270
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
الإنسانية التي فيها كلّ النطفة ؛ ومن لم يتّصل بالقائم الأوّل لم يتّصل بكلّه ؛ فخرج عن أن يكون ملكا ودخل في الشيطانية التي لا رجعة لها إلى الملكية ، كذلك من لم يتّصل بالقائم الآخر لم يتّصل بكلّه ؛ فخرج عن أن يكون مؤمنا ودخل في الشقاوة التي لا رجعة عنها إلى الزبانية ؛ ومتى تكون الرجعة وهو في دوران الطبيعة ، إذ قد انفصل عن كلّ الخير وأصل الخير ، ولم يلتحق بالعدم المطلق ، فبقي لأبقى ، لا يموت فيها ولا يحيى ؛ والمسلّم لقائم الوقت لم تكون له الرجعة وقد اتّصل هو بكلّه خارجا عن كلّ الخير دوران الرأي والقياس ، متوجّها إلى الاستقامة وأصلا إلى البقاء المطلق والخلود الأبد : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى فمعاد الملائكة وكمالهم في تسليمهم لصاحب الأسامي في الزمن الأوّل ، ومعاد المؤمنين وكمالهم في تسليمهم لصاحب المعاني في الزمن الآخر ، وقد تبيّن لك المعاد في المبدأ والمبدأ في المعاد وظهر لك أنّ التناسخ باطل ؛ فإنّ المؤمن ليس يتمنّى الرجعة وقد وصل إلى كماله ، وأنّ الكافر لا ينال الرجعة وقد بقي في دور حاله ، وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً . وسرّ آخر : في القصّة أنّ اللّه تعالى كرّم آدم وذريته بقبول العلم من طريق السمع ، وفضّلهم بأداء العلم من طريق النطق ، فقال : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ إلى وَفَضَّلْناهُمْ * ولم يكن للحيوانات التي هي دون النوع الإنساني هذا القبول والأداء . ففضّلهم عليها وسخّرها لهم ؛ فصاروا ملوك الحيوانات كلّها بالتسخير ، وصارت حركاتهم معجزات لها بالتقدير ؛ ولم يكن أيضا للروحانيات التي هي فوق النوع الإنساني هذا القبول والأداء ؛ وإن كان لهم نطق وقول فلا من طريق الكلمات النطقية والعبارات القولية ( 117 آ ) في اللسان والسمع ، بل هي شديدة الشبه بالمنامات الخيالية التي يراها الإنسان من قراءة القرآن والمخافتات مع الأقرآن ، ففضّلهم عليها وأسجدها لهم فصار آدم - عليه السلام - والأنبياء والأولياء بعده - عليهم السلام - ملوك الملائكة بالتدبّر ؛ فصارت تلك الأسامي في المبدأ كلمات في الوسط ، وصارت الكلمات رجالا على العمال في المعاد ؛ وإن شئت قلت : صارت الأسامي كلمات أتمّهنّ بالرجال ، ورجالا أتمّهم بالكلمات ؛ ولو شئت قلت : صارت الأسامي كلمات ، وصارت الكلمات آيات ، وصارت الآيات سورا ، وصارت السور قرآنا